الموضوع: صالون أدبي
عرض مشاركة واحدة
قديم 17-Oct-2008, 08:28 PM   رقم المشاركة : 349
عبدالرحمن محمد الإبراهيم
مملوكي
 
الصورة الرمزية عبدالرحمن محمد الإبراهيم

 




افتراضي وضحة

وضحة



أشعه الشمس تنزل من السماء بشكل مستقيم بحرارة جاوزت ال43 درجه على وجه وضحه ، خطوط بيضاء يرسمها العرق على جبينها ويدها تزيله مع زفرات أسى تزيد من حرارة وجهها ، تستمر بالجهد الذي يولد طاقة زائدة عن حاجتها وكل هذا لا يسبب سوى أمر واحد زيادة درجه الحرارة حولها وغليان قلبها أكثر!.

تخرج من خيمتها بعد أن انتهت من رج حليب الناقة لتستنشق هواء السموم القادم من الرمال المحيطة بهم اليوم هو بداية موسم القيظ الطويل شهر أغسطس حيث لا مجال لوجود الظل إلى في الخيام فكيف بمن يرجو السحب والمطر! ، تمشى نحو إخوتها الصغار الذي يلعبون مع بعض الخراف وتعجب كيف تمكنوا من التأقلم مع هذا اللهيب المنتشر في كل مكان تحس بجمر تحت رجلها ولكنها لا تجد سوى حبيبات الرمال المشتعلة بلهيب الشمس.

"وضحه تعالي هنا أريدك أن تساعديني في تنظيف الخيمة والدك عنده ضيوف اليوم" ، قلبها يركض قبلها من شده الفرح تسابق الريح وتحس ببروده وسعادة وكأنها تعيش في سهول ومزارع أوربا لا في وسط صحراء الجزيرة العربية ، تدخل الخيمة والابتسامة تشرق في وجهها "أبشري يمه باللي يسرك" ، تضحك الأم فهذه المرة الأولى من 16 عاما التي تأتي وضحه لتنظيف الخيمة وهي مسرورة.

تخرج الفتاتان السجادة الملونة بجميع الألوان من شده وساختها لتنظفها خارج الخيمة، لا تستغربوا من قولي فتاتين !! نعم فتاتين فوالدتها لا تزال في أول الثلاثيات فقد تزوجت صغيرة لم تتجاوز ال15 من عمرها ولكن في وقتها كان سنها موعد مناسب لتحمل المسئولية.


الغبار يتطاير من السجادة ووضحه مستمرة بهزها تضحك والدتها وتقول " على رسلك وضحه فهم سيجلسون عليها ولن ينتبهوا لها لأنها قد تكون أنظف من ثيابهم!" ، "ثيابهم وسخه بسبب ضيق اليد يا أمي والرجل لا يعيبه تلك البقع والرقع على ثيابهم إن كان سببها كده وتعبه في سبيل أسرته وعشيرته" تجيب وضحه بعصيبة مصطنعه ، تضحك الأم وهي لا تزال تهز السجادة أملا في أن تسقط البقع المرسومة عليها.


" أمي هل استطيع الدخول للخيمة أريد أن أصلي" ، " أي صلاة في هذا الوقت الضحى لم أعهدك تؤدينها أبدا هل تريدين الهروب! ، وضحه هروبك من المسؤولية سيجلب لنا التأخير وهذا سيغضب أباك وعمك وابنه زوج المستقبل " ، ابتسامة حياء وحمرة تغزو وجهه وضحه لتجيب بصوت هادئ " من أجل هذا أريد أن أصلي يا أمي فقد سمعت من مطوعة القبيلة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستخير ربه قبل أي عمل مصيري يريد قضائه وقد حفظت عنها الدعاء" ، "لكن الزواج ليس بيدك يا ابنتي وإياك أن ترفضي ابن عمك فإن والدك سيدمي ظهرك من الضرب فهذا الحق مسلوب منا نحن النساء الأمر أمر والدك وأخوتك" .


تتنهد وضحه " أعلم يا أمي وليتك تعلمين أن هذا الأمر ليس من الإسلام إنما هي عادات وتقاليد والأصل استشاره العروس ولكن مع كل هذا فأنا أريد الاستخارة لأن العجوز المطوعة قالت بأن الله سيصرف عني الأذى إن كان في الأمر ما يضرني ولن يكون لأحد حكم بعد تقدير الله " ، " على راحتك ولكن إياكِ وعصيان والدك وإلا سيكون موتك على يدي قبل يديه".


القربة معلقة على رواق الخيمة تأخذها وتبدأ بسكب مائها على وجهها ويدّيها لتتوضأ منه ، حرارة الشمس تبدأ بالخروج من جسدها ، قطرات الماء تطفأ حر جسمها ولكن لا يزال قلبها يخفق ويغلي خوفا من المجهول ، تستقبل القبلة وقد أزالت بعض الحجارة من أمامها ، ترفع يديها "الله أكبر" تدخل وضحه في الصلاة تحاول أن تجمع جوارحها وتفكيرها لتفكر في الصلاة فقط أملا في الدخول في الخشوع .

مع كل سجدة وركوع تدعوا الله من قلبها أن يكتب لها الخير "السلام عليكم ورحمه الله ، السلام عليكم ورحمة الله " ، ترفع يديها لتدعوا الله بدعاء الاستخارة التي حفظته ، تنزل خلال الدعاء دمعة صدق حارة مع شعور عميق دافئ يسيطر على روحها ، تكرر الدعاء وكأنها تدفع حجرا كبيرا كان على صدرها ، "يا رب هذا الدعاء وعليك الإجابة" تنزل يديها بعدما مسحت بها التراب العالق على جبهتها تنهض متجهه نحو باب الخيمة وقلبها لا يحمل سوى رضاها بمتعب حليلا وزوجا لها .















التوقيع



أسعى أن أكون مؤرخا أديبا

منّ الله علي بكتابة

ترانيم قلب

أعرابي في بلاد الإنجليز

والكتابين تجدونهم في مكتبة النيل والفرات
www.neelwfurat.com




 عبدالرحمن محمد الإبراهيم غير متواجد حالياً رد مع اقتباس