الموضوع: صالون أدبي
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-Dec-2008, 03:23 AM   رقم المشاركة : 356
أبوهمام الدُّريدي الأثبجي
عثماني



افتراضي رَفِيفُ العَنَـادِلِ نور الجندلي

رَفِيفُ العَنَـادِلِ

نور الجندلي

لطالما نسجتُ أحلامي الصّغيرة بعد تخرّجي.. كأن أصحو على صوت جميل.. صوت يشبه إلى حدٍّ ما صوت العندليب.. لكن أحلامي كانت تذهبُ هباءً، فالعنادِلُ مخلوقات تحب الحياة، ولا تقبل العيش في غرفة لا ترى النّور كالتي أعيش فيها.
فأجدني مضطراً اليوم وكل يومٍ إلى أن أهبَّ فزعاً وأُخرِس هذا الاختراع المزعج الذي لا يتوقف عن الرَّنين.
السابعة تماماً.. موعدُ وصول الحافلة، أتلفَّتُ حولي فأجدُ الكلّ يحدّق في ساعته ليتأكد من عقرب الدقائق، فهم عادة يضبطون ساعاتهم على ساعة العم كمال سائق الحافلة المؤدية إلى وسط المدينة. وتأخرُ دقيقة واحدة يعني معاناة كبيرة في إيجاد وسيلة للمواصلات تقودك حيثُ تريد، وبالسِّعر الذي تريد.
تخرجتُ منذ تسعة أشهر، كانت حُبلى بالوهم، ولم تلد أيامي أية بُشرى.
ها أنا أعيشُ الهمَّ ذاته كل يوم، أتأمل المناظر غير الطبيعيّة ذاتها التي تلوحُ لي على الطرقات.
حفرة شارع المحبّة وشاخصة التحذير التي تسبقها، مبنى المستوصف الذي يوشكُ على السقوط؛ لتقادم الزمان عليه قبل أن يكتمل بناؤه، الرّصيف الذي صدمته شاحنة منذ عام فبدا مشوَّهاً.. كل شيءٍ يتكرر، إلا الطقس فهو في تجدُّد دائم.
وصلتُ أخيراً إلى محطتي اليوميّة.. زيارة خــاطفة إلــى دائرة العمل، وكالعادة موظَّفٌ غائب، وآخر غافٍ خلف الجريدة!
الآن عرفتُ دور الصحف في حياة الموظَّفين. أما الأوراق المقدَّمة المدعمة بالطوابع والأختام فإنها لا تتوقف أبداً عن النّمو.
- أوراقك قيد الدّراسة يا بُني! وهناك آلاف من الجامعيين مثلك ينتظرون الوظائف، لا أمكنة شاغرة حالياً، ورجاءً لا تَعُد إلا بعد شهر على الأقل!
لم يعد هنالك من داعٍ لأن أسمعها منه، فقد حفظتُها عن ظهر قلب، كما كنت أحفظ مناهج الثانويّة العامّة؛ لأحقق حلمي بأن أكون جامعياً، وكما حفظتُ المحاضرات الجامعيّة ببراعة؛ لأتخرج متسكعاً علــى الأرصفــة، يتســوّلُ عمــلاً ولا محسنين في المكان!
خطوات قليلة وأصل إلى قهوة العاطلين. هكذا أدعوها أنا وأصدقائي، حيث قرَّرنا أن نتحالف هناك ونكوِّن ثلّة، ثم سافرت بنا الأفكار بعيداً فدعوناها رابطة العاطلين عن العمل، ولعل الخيال يبحر أكثــر فأعيَّـن مديراً لتلك الرابطة؛ فقد كان طموح والدي – رحمه الله – أن أكون مديراً لشركة كبيرة.
مسكينٌ والدي فقد توسَّم الخير بولده، ولم تسعفه الأمنيات كي يرى حلمه يتحقق.
كوبٌ من الشاي مع كثيرٍ من السّكر.. إنني حقاً أحتاجُ إلى سعرات حرارية إضافيّة تعينني على الحركة، فالبحثُ قد جعل عظامي تتآكل، إنها تُصدر صوتاً غريباً كالباب الصدئ.
تعبتُ وأنا أجوبُ الشوارع، وأمشّطُ الأحياء بحثاً عن وظيفة محترمة، لشاب جامعي طموح ومحترم.
وتعبت أمنياتي من الإخفاق، ولم يعد قلبي يحتملُ أن يرى بصيص الأمل يخبو في عينَيْ أمي الحبيبة التي طالما حلمت لابنها بعملٍ مرموق.
موعدُ الحافلة العائدة إلى ضاحيتنا قد اقترب، وجيبي يعلمني بأنها القروش الأخيرة التي يملكها، ولعلها تكفي ثمناً للعودة إلى البيت، وثمناً لأدوية المسكنات التي أتناولها ليتوقف الصداع الذي لا يكترث بي.
وسؤال يقرع قلبي كناقوس يردِّد كلمات تزلزلني: إلى متى؟ وماذا تنتظر؟!
لم أولد لكي أغدو عاطلاً عن العمل، ولم تكُن جلُّ أمنياتي أن أغفوَ خلف جريدة، ولا يبهجني منظر الرصيف المكسور والحفرة التي تبتلع ضحاياها كل فترة فأراقبها في صمت.
أنا جامعي.. ولكن من أَبَهَ لي ولشهادتي وتعبي إذ طافت بي الهموم في شوارع المدينة؟ من سمع أنَّات جوعي؟ ومن مسح دموع ألمي التي أحاول ألا أظهرها تمثلاً بالرجال الشجعان؟
سأرمي بأحلامي عرض الحائط، ولأنسج أحلاماً أخرى على قياسي؛ فأنا ما زلتُ على قيد الحياة.
من الغد سأرتدي أقدم ثيابٍ أملكها، وأعتمرُ قبعة تحميني من وهج الشمس، وألحقُ بركب العمَّال.. أحاولُ أن أكون يداً تصنعُ وتجني لقمة عيشها بجدارة.. سأردمُ تلك الحُفرة، وأعملُ على إصلاح ذلك الرصيف، وأعودُ إلى أمي محمَّلاً بفاكهة وحلوى.. ستبكي فرحاً وتدعو لي كثيراً.
لن يغيّر ذلك من كوني إنساناً جامعياً مثقفاً، فالثّقافة لم تكن يوماً تسكُّعاً وبطالة، وبكاء على أطلال أحلام ضائعة.
سأجني مالاً يساعدني على تكوين ذاتي، ومدّ العون إلى غيري.
سأديرُ ثلّتي الخاصّة بمفاهيمي الجديدة، ولتكن ثورة على الخمول، وليتبعني من يؤمنُ بأن العمر لا ينتظر.
لن يضيء جبيني إلا بحبات العرق تتساقط لتشعرني أنني على قيد الحياة.
سيشتري كلّ عاطلٍ منا عندليباً كي يحرره من قفصه، ويطلقه بعيداً ليرفرف على هواه، ويغرّد كما يحب، وليكن تغريداً بلا غُصّة قيدٍ تحوّله عبداً لما يمكن.. ولنخترق بذلك جدار المستحيل ونتحرر.

المصدر: مجلة البيان
http://www.albayan-magazine.com/bayan-256/bayan-17.htm
......................................
مع تحيات وتقدير
أخوكم في لله ومحبكم في لله
أبوهمام عبدالهادي بن أحمد الدريدي الأثبجي التونسي الحجازي
((ابن طيبة الطيبة))







 أبوهمام الدُّريدي الأثبجي غير متواجد حالياً رد مع اقتباس